يفتحُ عيناهُ جيداً ويستفزّ كل وسائل الادراك، ليميّز عن بعُد أمتار عديدة بين مَن يُدخِل يده فيخرجها محمّلة بقطعة نقدية أو أكثر، وبين من
يمرّ أمامه مرور العابرين ويرميه بنظرة استحقار.
في كل صباح يصحب أمّه ليمثّل رمزاً من رموز الفقر والحاجة. رمزٌ تجني لأجله الأمّ دخلها اليومي، وتعتاش على هذا الصيت "أمٌ فقيرة، مسكينة، وهذا ابنها صاحب الثياب المرقعّة، والمظهر الرثّ دليلٌ على صدق حجّتها"، هكذا يحدّث الناس بعضهم أو أنفسهم .
تتناقض الآراء بشكل واضح، عندما نتحدث ونناقش في
ظاهرة " الشّحدة "، وبما أنها لا تقتصر على مجتمعنا الفلسطيني، فإن
النقاش لا يحتاج الى تلميع او " تبهير" أكثر -فما قيل قد قيل- وما
يقال لا يخرج عن كونه مجرد كلمات تثقل ميزان الكلام عن هذه الظاهرة. البعض يبدي
شفقته على أي انسان يرمي كرامته جانباً ويمدّ يده سائلاً الحاجة والإعالة، ويقول في
باله "فأما السائل فلا تنهر" . وآخرون يبررّون عدم التصدق لفئة "الشحّادين" بدعوى أنهم يمارسون أشدّ انواع النصب خباثةً، فهم لا يحتاجون
النقود وانما يمارسون عملا وتجارة. ولا أعلم حقّا ان كانت كل نقود الدنيا تستحق ان
ارمي بكرامتي ارضا لتُدوسها الأقدام وتمرغهّا نظرات هذا وذاك، أم ان الحاجة اقوى
من مجرد التفكير بهذا الإتجاه !